الفنّان التشكيلي "ناصر نعسان آغا"
طفولة اللوحة وجمال الفنّ
محمّــــــــــــــــــد قرانيــــــــا
إذا كان "نزار قباني" قد رسم شعره بالألوان، فإن الفنّان "ناصر نعسان آغا" قد رسم لوحاته التشكيلية بالشعر، فتحوّلت كل لوحةٍ إلى قصيدةٍ، إيقاعُها اللون، وبحرها الحبّ، حبّ الوطن بجمالياته الساكنة في شغاف القلب، وجمالياتُ الوطن أكثر من أن تُحصى وتُعدّ، فمدينة (إدلب) – ملهمة الفنّان ومجاله الحيويّ- عروسٌ تغوي الناظر إليها بكروم الكرز والعنب والزيتون، عشقها الفنّان، كما عشق من قبلُ الفنّان "فاتح المدرّس" حلب، فخلّدها في لوحاتِ "قاطفات الزيتون" و"عرائس كفر جنة" وسوى ذلك من لوحاتٍ غدت من روائع الفنّ التشكيلي المعاصر.
يقترب الفنان كثيراً من نواميس الطفولة الجميلة، إذ يعود في أشكاله وألوانه إلى زمن البراءة والحلم، فتتسربل اللوحة بالفرح، وتشفّ في زمنٍ دنّسته العولمة، وحاولت أن تسلبه براءته وفطرته، فجاء الفنان مزوّداً بثقافته الأصيلة، وعاين الدور العربية القديمة، المزيّنة بأبوابها المزخرفة، ونوافذها الصغيرة، ليختلس من خلالها قبلة حبّ من قمرٍ وادعٍ في ليلة صيفٍ، ومسحة حنانٍ من شمسٍ دافئةٍ في ضحكة ربيعٍ، والفنان لا يقف عند القديم إلاّ ليجعله امتداداً للمستقبل، فيلج العوالم الخاصة بالطفولة وبالذاكرة، ويدخل بها رحاب العصر.
في اللوحة، ينساب اللون كجدولٍ رقراقٍ، لا يحمل في لمساته معانيَ مجازيةً صعبةً، أو بقعاً لونيةً (فنتازيةً) وخطوطاً حداثيةً يقف المشاهد أمامها واجماً، وإنما تتسربل اللوحة ببساطةٍ تنهل من أبعادٍ شرقيةٍ واضحة المعالم، حاكت موضوعاتٍ بعيدةً عن هذا الزمن وقريبةً منه، استمدّها الفنّان من مشاهداته، ومما اختزنته ذاكرته في طفولته معاينةً أو سماعاً، فعاش عالمها وتمثّله، إذ لا تكاد تخلو لوحةٌ من طفولةٍ تبوح همساً بوجهٍ يطفح بالخجل والدلال والحبّ والبراءة، على الرغم من توهّجها بالصور الخيالية، والإيحاءات العذبة عذوبة الطفولة وجمالها، وهذا ما يجعل اللوحة مفتاحاً لولوج عالمٍ جميلٍ رحبٍ، يزرع الثقة في النفس، ويمنح قارئها ومُشاهِدَها الأمان العاطفي، الروحي والنفسي.
تزخر اللوحة بمعطياتها الشعورية والجمالية، وتحرص أن تؤديَ وظيفتها بأسلوبٍ شفّافٍ يدغدغ الذوق الفني، ويطوّر الإحساسات الجمالية، من خلال دلالاتٍ ورموزٍ يزخر بها الموروث الشعبي، نراها في زخارف الأبواب في الحارات القديمة، وفي البوابات المعقودة بأقواسٍ تحمل نكهة التاريخ، أو في معطيات السوق الشعبية، وكأننا- عندما نعاين اللوحة- نسمع صخب الصبيان في الحارات، أو أصوات الباعة تتعالى من هنا وهناك في السوق، تنادي بصيغٍ معهودةٍ منغومةٍ لترويج الخضار والفواكه، كل ذلك، يعني أن اللوحة ما هي إلاّ امتزاج لمسات الفنّ والواقع، اللذين تُنسَج من خيوطهما معاني الجمال، للتعبير عن تجربةٍ انفعاليةٍ، تتواءم مع الحالة النفسية للكائنات الريفية، الغارقة في الفرح، لذلك كان البيت القديم بزخرفته، والحارة الشعبية بألعاب صبيانها أسلوباً مقصوداً للتعبير عن حالةٍ إنسانيةٍ حيويةٍ بأسلوبٍ ثقافي إبداعيّ شعبي تتطلّبه المعاصرة من جهةٍ، ويعبّر عن حالات الوعي واللاوعي التي كان يعيشها الناس في المدينة التي تحمل سماتها الريفية من جهةٍ ثانية. وهذا ما يجعل اللوحة أداة توصيلٍ وتفاهمٍ، تصل القديم بالجديد، وتتخذ لها مكاناً، تنشر فيه ظلالها وإيحاءاتها، بحيويةٍ جماليةٍ، تحمل إثارتها، لأن الفنان:
1- أعطى الموضوع القديم معنىً جديداً.
2- ووظّفه في علاقاتٍ جديدةٍ، شحنها بجماليات الماضي، ولكن من خلال نظرةٍ فنيةٍ معاصرةٍ.
3 - ومنحه كثيراً من الشاعرية والاتّساع، على الرغم من المسحة شبه الواقعية التي قد تتداخل مع التجريد، ليتخذ من ذلك وسيلةً من وسائل الابتعاد عن المباشرة، بغية تحقيق الانفعال والتأثير، ومن ثم (الإيحاء) بالقيمة والمعنى من خلال عالمٍ خياليٍّ وشاعريّ، ينفعل فيه المشاهد بصورةٍ تلقائية..
إنه الفنّان، يلتقط بباصرته ما يفيده في خلق مشهدٍ حيّ، يبتكر له صوراً جديدةً من أشياء مألوفةٍ، كأن يغازل مزهريةً من فخارٍ، كانت زينة المصاطب في ليالي الصيف، أو يقف أمام باب دارٍ في حارةٍ نسيها الزمان، أو يتأمل حجراً مُزخرفاً في جدار تعلوه نافذةٌ ضيّقةٌ، تقف خلفها فتاةٌ خجول، أو يرقى جداراً تقف عليه حمامةٌ تهدل عسى ألاّ يتأخّر عنها الأليف. كل ذلك، في إطارٍ من التعبير عن مظاهر الطبيعة الصامتة والمتحرّكة، وفقاً لرؤيةٍ تشكيليةٍ مبدعة.
إن الالتفات إلى الماضي والإشارة إلى الموروث يؤسّس عليه الفنان عالماً جديداً، يُلهب النفخَ في مكوّناته المتعدّدة، ليتشكّل منه الموضوع، الذي يجعل اللوحة أكثر كثافةً وحيويةً، والتي لولاها لما حدث إبداعٌ فنيّ، حيث تنمو شعريتُها من خلال النسيج الخيالي، وامتزاجه بالواقعي، وقدرته على التقريب والتناغم بين الذي كان، وما يمكن أن يكون، لأن اللوحة لا يأسرها المنطق، ولا تكترث بالمعيارية والحَرفية، وإنما تنتعش وتتشظّى في الخيال، وتتلذّذ بالابتكار والإبداع، فلا تذهب إلى قصدية الإفهام، وتقديم المعرفة الذهنية، ولا تنفذ إلى العقل، إلاّ بعد أن تنفذ إلى الوجدان، نظراً لما تزخر به من ظلالٍ وقيمٍ جماليةٍ، ومؤثّراتٍ انفعاليةٍ وتشويقٍ وجاذبيةٍ.
لقد فجّرت بعضُ اللمسات اللونية عناصرَ إيقاعاتٍ داخليةٍ هادئةٍ، تتناسل منها إيحاءاتٌ متنوّعةٌ، من شأنها الارتفاع بروح المشاهِد عن الإيقاعات البصرية المكانية إلى أطياف المخيّلة، من دون أن تتخلّى اللوحة عن الإيقاع الكليّ العام المؤثّر والفعّال، والذي لا يقلّ تأثيراً في النفس عن صدى سمفونيةٍ يؤدّيها موسيقيّ بارع.
جسّدت اللوحات بنيةً معماريةً جميلةً وثرّةً، عبر سيرةٍ حلميةٍ لمدينةٍ تقع داخل الذاكرة الإنسانية وفعلها الحقيقي (الحياتي) وتتمظهر بنيتها الجمالية الساحرة عبر صورٍ ذكيةٍ في موجّهاتها الثقافية والاجتماعية، مفعمةً بهواجس المكان، حيث تلتئم العلاقة البدائية بين الأصل واللوحة، بين الحلم والواقع والترحال في خفايا الروح، من دون أن تتخلّى عن فعالية المصدر الأوّلي للحياة الشعبية البسيطة، وصياغته في أشكالٍ جديدةٍ تلامس الحداثة، وتقارب نواميس الطفولة الجميلة، وتسترجع ذاكرةً بعيدةً عن هذا الزمن، تطلُّ على اليومي المعيش، عبر ممرات الزمن الساكن فينا لترويَ لنا حكايات العشق، وترتقي بنا في فلك الخيال، الذي غذّته حكايات الجدّات، والتجارب، والمشاهدات اليومية في النقوش والزخارف والأقواس والتيجان، وفسحة الروح في البيت والحي والسوق الشعبي والزقاق والبوابة، والسلّم الحجري الذي يصعد إلى (العليّة) أو (الليوان) الذي عاشت الروحُ عالمه فتمثّلته عملاً فنياً ينعش النفس والوجدان.
في لوحات الفنّان عودةٌ إلى النبع الحالم، عودةٌ إلى العوالم الطفلية الحلمية، على الرغم من مسحتها الواقعية، ونزعتها التجريدية التي لا تخلو من حداثةٍ رصينةٍ، تعمل على الإمساك باللحظات الدافئة والحميمة في تلك العوالم، التي قد تأتي على جزئيات الأمكنة وتفاصيلها، المشغولة برهافة الأحاسيس، والتي تحمل خلفياتها الثقافية والاجتماعية والنفسية. بغية تقديم صورٍ مفعمةٍ بالدفء، لموجوداتٍ لا تزال تميس بقاياها بحميميةٍ أمام عيوننا، لا يهتمّ الفنّانَ فيها بالحدث أو المنظر المرئيّ في حدّ ذاته، بقدر ما يهتمّ بتصوير انعكاساته على النفس الإنسانية المشدودة إليه، وكأن الفنان-في ذلك- (يُؤَنْسِنُ) الأمكنة ويرصد مشاعرها وإحساساتها، البسيطة والصادقة، بعفويةٍ ورشاقةٍ، لا يقدر عليه إلاّ فنّان تحرّكه براءة الطفولة...